صديق الحسيني القنوجي البخاري

107

فتح البيان في مقاصد القرآن

قلنا بل قد قام من بينهم لأنه عليه السّلام ظهر بالحجاز فبعث بمكة وهاجر إلى المدينة وبها تكامل أمره وقد كان حول المدينة بلاد اليهود كانوا كخيبر وبني قينقاع والنضير وغيرهم ، وأيضا فإن الحجاز يقارب الشام وجمهور اليهود كانوا إذ ذاك بالشام ، فإذا قام محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بالحجاز فقد قام من بينهم وأيضا فإنه إذا كان من إخوانهم فقد قام من بينهم فإنه ليس ببعيد منهم . والثالث : قال في الفصل العشرين من هذا السفر : أن الرب تعالى جاء في طور سيناء وطلع لنا من ساعير وظهر من جبال فاران وصف عن يمينه عنوات القديسين فمنحهم العز وحببهم إلى الشعوب ودعا لجميع قديسيه بالبركة . وجه الاستدلال أن جبل فاران وهو بالحجاز لأن في التوراة أن إسماعيل تعلم الرمي في برية فاران ومعلوم أنه إنما سكن بمكة . إذا ثبت هذا فنقول إن قوله « فمنحهم العز » لا يجوز أن يكون المراد إسماعيل عليه السّلام لأنه لم يحصل عقيب سكنى إسماعيل عليه السّلام هناك عز ولا اجتمع هناك ربوات القديسين ، فوجب حمله على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، قالت اليهود المراد أن النار لما ظهرت من طور سيناء ظهرت من ساعير نار أيضا ومن جبل فاران أيضا فانتشرت في هذه المواضع . قلنا هذا لا يصح لأن اللّه تعالى لو خلق نارا في موضع فإنه لا يقال جاء اللّه في ذلك الموضع إلا إذا تبع تلك الواقعة وحي نزل في ذلك الموضع أو عقوبة وما أشبه ذلك ، وعندكم أنه لم يتبع ظهور النار وحي ولا كلام إلا من طور سيناء ، فما كان ينبغي إلا أن يقال جاء اللّه من طور سيناء ، فأما أن يقال ظهر من ساعير ومن جبل فاران فلا يجوز وروده كما لا يقال جاء اللّه من الغمام إذا ظهر في الغمام احتراق ونيران كما يتفق ذلك في أيام الربيع . وأيضا ففي كتاب حبقوق بيان ما قلنا وهو جاء اللّه من طور سيناء والقدس من جبل فاران لو انكشفت السماء من بهاء محمد وامتلأت الأرض من حمده يكون شعاع منظره مثل النور يحفظ بلده بعزه تسير المنايا أمامه ، ويصحب سباع الطير أجناده قام فمسح الأرض وتأمل الأمم وبحث عنها فتضعضعت الجبال القديمة واتضعت الروابي الدهروية وتزعزعت ستور أهل مدين ، ركبت الخيول وعلوت مراكب الانقياد والغوث وستنزع في قسيك اغراقا ونزعا وترتوي السهام بأمرك يا محمد ارتواء وتخور الأرض بالأنهار ، ولقد رأتك الجبال فارتاعت وانحرف عنك شؤبوب السيل ، ونفرت المهاري نفيرا ورعبا ورفعت أيديها وجلا وفرقا وتوقفت الشمس والقمر عن مجراهما ، وسارت العساكر في برق سهامك ولمعان بيانك تدوخ الأرض غضبا ، وتدوس الأمم زجرا